محمد كرد علي
168
خطط الشام
طريق الحج وإنشاء الخط الحجازي : كان المسلمون يلاقون صعوبات ومشقات في ذهابهم وإيابهم إلى الأرض المقدسة لأداء فريضة الحج كل سنة ، فكان يستغرق سفر الحاج الشامي أربعين يوما من دمشق إلى المدينة المنورة وعشرة أيام من المدينة إلى مكة المكرمة . خمسون يوما يقضيها الحاج بين دمشق والمدينة فمكة وعشرون يوما على الأقل يمضيها في القيام بالمناسك وزيارة قبر النبي المعظم صلى اللّه عليه وسلم ويقضي خمسين يوما في عودته . فهذه أربعة أشهر كاملة للحج الشامي . أما التركي والإيراني وغيرهما من أهالي الممالك الإسلامية النائية فقد كان يحول الحول على أحدهم دون الوصول إلى بغيته . وناهيك بما يعترض الحاج من مشاق الأسفار وأهوالها وما يضطر لصرفه من النفقات الباهظة في هذه السبيل . وكان كثير من الأغنياء يتقاعسون عن القيام بهذه الفريضة لعدم توفر الوسائط اللازمة لراحتهم . فمد خط حديدي إلى الديار المقدسة كان من الضرورة بمكان . كان الحجاج المسلمون يأتون ألوفا من الأقطار الإسلامية إلى دمشق ويجتمعون فيها انتظارا لسفر موكب الحج ، وكان يتألف هذا الموكب في دمشق ويسير منها متجها نحو الحجاز تحت إدارة حاكم يلقب بأمير الحج . إن قافلة كهذه يصعب جدا سيرها بدون انتظام شديد وكانت تتألف من مشاة وفرسان وهجانة وحمّارة يقدر عددها بعشرة آلاف نسمة وعشرين ألف دابة على الأقل . ولذلك كانت طاعة أمير الحج واجبة على الحجاج ليسهل عليهم قطع هذه الطريق المملوءة بالأخطار والمصاعب دون أن يتركوا أحدا على الطريق أو أسيرا بين أيدي البدو . وكان هؤلاء يثورون على الحكومة من وقت إلى آخر ، وبواسطة الهدايا التي كان يرسلها السلطان لقبائل البدو والعطايا التي يمنّ بها على شيوخهم كانت أطراف دمشق آمنة سالمة ، وكان لا يخشى وقوع حوادث بالقرب منها ، ولذلك كانت القافلة غير آمنة إلا بجوار بلدة المزيريب في حوران . وفي العادة أن يرحل أمير الحج من دمشق في الخامس من شهر شوال في